سيد محمد طنطاوي

155

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأعظم ، ولو كان أعداؤهم الظالمون يعلمون ذلك لدخلوا في دين الإسلام ، ولأقلعوا عن ظلمهم لهؤلاء المهاجرين . وكأن جملة « لو كانوا يعلمون » جوابا عن سؤال تقديره : كيف لم يقتد بهم من بقي على الكفر مع هذا الثواب الذي أعده اللَّه لهؤلاء المهاجرين ؟ فكان الجواب : لو كان هؤلاء الكافرون يعلمون ذلك لأقلعوا عن كفرهم . ويصح أن يكون الضمير يعود على المهاجرين ، فيكون المعنى : لو كانوا يعلمون علم مشاهدة ومعاينة ما أعده اللَّه لهم ، لما حزنوا على مفارقة الأوطان والأولاد والأموال ، ولازدادوا حبا وشوقا واجتهادا في المهاجرة . أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول له « خذ بارك اللَّه لك فيه ، هذا ما وعدك اللَّه في الدنيا ، وما ذخره لك في الآخرة أفضل ، ثم تلا هذه الآية « 1 » . وجوز بعضهم أن يكون الضمير يعود للمتخلفين عن الهجرة أي : لو علم هؤلاء المتخلفون عن الهجرة ، ما أعده - سبحانه - من أجر للمهاجرين ، لما تخلفوا عن ذلك . وعلى أية حال فلا مانع من أن يكون الضمير يعود على كل من يتأتى له العلم ، بهذا الثواب الجزيل لهؤلاء المهاجرين في سبيل اللَّه - تعالى - . ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المهاجرين بوصفين كريمين فقال : * ( الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * أي : هذا الأجر العظيم لهؤلاء المهاجرين الذين صبروا على ما أصابهم من عدوان وظلم ، وفوضوا أمرهم إلى خالقهم ، فاعتمدوا عليه وحده ، ولم يعتمدوا على أحد سواه . وصفتا الصبر والتوكل على اللَّه . إذا دخلا في قلب ، حملاه على اعتناق كل فضيلة ، واجتناب كل رذيلة . وعبر عن صفة الصبر بصيغة الماضي للدلالة على أن صبرهم قد آذن بالانتهاء لانقضاء أسبابه وهو ظلم أعدائهم لهم ، لأن اللَّه - تعالى - قد جعل لهم مخرجا بالهجرة ، وذلك بشارة لهم . وعبر عن صفة التوكل بصيغة المضارع للإشارة إلى أن هذه الصفة ديدنهم في كل وقت ،

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 14 ص 74 .